ابن عجيبة

519

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ كذلك . وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ أي : من ولى أمركم . من ولاة العدل كالخلفاء والأمراء بعدهم ، تجب طاعتهم فيما أمروا به من الطاعة دون المعصية إلا لخوف هرج . قال عليه الصلاة والسلام : « إنّما الطّاعة في المعروف » ، فإن لم يعدل : وجبت طاعته خوفا من الفتنة . وهذا هو الأصح . لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « سيليكم ولاة ، فيليكم البرّ ببره ، والفاجر بفجوره ، فاستمعوا لهم ، وأطيعوا في كل ما وافق الحق ، فصلوا وراءهم ، فإن أحسنوا فلهم ، وإن أساءوا فلكم وعليهم » . رواه أبو هريرة . وفي حديث آخر : « لا أن تروا كفرا بواحا ، لكم عليه من اللّه برهان » . أي : فيجب عزلهم . وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلم لما سأله أبو وائل فقال : يا رسول الله ؛ أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألون حقهم ؟ . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « اسمعوا وأطيعوا ، فإنّ عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حملتم » . وقال جابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد : أولو الأمر هم الفقهاء والعلماء ، أهل الدين والفضل ، يعلّمون الناس معالم دينهم ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، دليله . قوله تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ . . . الآية . قال أبو الأسود : ليس شئ أعز من العلم ، الملوك حكّام على الناس ، والعلماء حكّام على الملوك . ه . فَإِنْ تَنازَعْتُمْ أنتم وأولو الأمر ، أو بعضكم مع بعض - أي : اختلفتم في حكم شئ من أمر الدين فلم تعلموا حكمه ، فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ أي : إلى كتاب الله ، وَ إلى الرَّسُولَ في زمانه ، أو سنته بعد موته ، فإن لم يوجد بالنص فبالقياس . فالأحكام ثلاثة : مثبت بالكتاب ، ومثبت بالسنة ، ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس . وعن إبراهيم بن يسار قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « اعملوا بالقرآن : أحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه ، وآمنوا به ولا تكفروا بشئ منه ، وما اشتبه عليكم فردّوه إلى اللّه تعالى وإلى أولى العلم من بعدي ، كيما يخبرونكم به » ، ثم قال : « وليسعكم القرآن وما فيه من البيان ؛ فإنّه شافع مشفّع ، وما حلّ مصدّق « 1 » وإن له بكل حرف نورا يوم القيامة » . فردوا الأحكام إليه وإلى الرسول ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فإن الإيمان يوجب ذلك . ذلِكَ الرد خَيْرٌ لكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا من تأويلكم بالرأي من غير رد ، وأحسن عاقبة ومآلا ، والله تعالى أعلم .

--> ( 1 ) ما حل مصدق : أي خصم مصدّق . والمعنى : أنه شافع لمن عمل بما فيه ، ومصدّق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل به . انظر النهاية .